الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
153
تفسير روح البيان
حين تابوا من عبادة العجل وخصوا به لما كانت توبتهم توبة هائلة واما معرب يهودا كأنهم سموا باسم أكبر أولاد يعقوب عليه السلام ويقال انما سمى اليهود يهودا لأنهم إذا جاءهم رسول أو نبي هادوا إلى ملكهم فدلوه عليه فيقتلونه وَالنَّصارى جمع نصران كندامى جمع ندمان سمى بذلك لأنهم نصروا المسيح عليه السلام أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها ناصرة فسموا باسمها أو لاعتزائهم إلى نصرة وهي قرية كان ينزلها عيسى عليه السلام وَالصَّابِئِينَ من صبأ إذا خرج من الدين وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الكواكب والملائكة فكانوا كعبدة الأصنام وان كانوا يقرأون الزبور لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نسائهم وجاء أعرابي إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال لم يسمى الصابئون صابئين فقال عليه السلام ( لأنهم إذا جاءهم رسول أو نبي أخذوه وعمدوا إلى قدر عظيم فأغلوه حتى إذا كان محمى صبوه على رأسه حتى يتفسخ ) كذا في روضة العلماء مَنْ مبتدأ خبره فلهم اجر عظيم والجملة خبران آمَنَ من هؤلاء الكفرة بِاللَّهِ وبما انزل على جميع النبيين وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وهو يوم البعث اى من أحدث منهم ايمانا خالصا بالمبدأ والمبدأ والمعاد على الوجه اللائق ودخل في ملة الإسلام دخولا أصيلا وَعَمِلَ عملا صالِحاً مرضيا عند اللّه فَلَهُمْ بمقابلة تلك والفاء للسببية أَجْرُهُمْ الموعود لهم عِنْدَ رَبِّهِمْ اى مالك أمرهم ومبلغهم إلى كمالهم اللائق وعند متعلق بما تعلق به لهم من معنى الثبوت أخبر أن هؤلاء إذا آمنوا وعملوا الصالحات لم يؤاخذوا بتقديم فعلهم ولا بفعل آبائهم ولا ينقصون من ثوابهم وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ عطف على جملة فلهم أجرهم اى لا خوف عليهم حين يخاف الكفار العقاب وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ حين يحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب والمراد بيان دوام انتفائهما وتلخيصه من أخلص إيمانه وأصلح عمله دخل الجنة * واعلم أن هذا الدين الحق حسنه موجود في النفوس وانما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية والتقليد فكل مولود انما يولد في مبدأ الخلقة وأصل الجبلة على الفطرة السليمة والطبع المتهئ لقبول الدين فلو ترك عليها استمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها كما قال عليه السلام ( ما من مولود الا وقد يولد على فطرة الإسلام ثم أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ) قال ابن الملك في شرح المشارق المراد بالفطرة قولهم بلى حين قال اللّه تعالى ألست بربكم فلا مخالفة بين هذا الحديث وبين قوله عليه السلام ( ان الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ) والتحقيق ان اللّه تعالى لما اخرج ذرية آدم من ظهره وقال ألست بربكم آمنوا كلهم لمشاهدتهم الحق بالمعاينة لكن لم ينفع ايمان الأشقياء لكونهم لم يؤمنوا من قبل فاختلط السعيد والشقي ولم يفرق بينهما في هذا العالم ثم إنهم إذ انزلوا في بطون الأمهات تميز السعيد من الشقي لان الكاتب لا ينظر إلى عالم الإقرار بل ينظر إلى ما في علم اللّه تعالى من أحوال الممكن من السعادة والشقاوة وغيرهما وإذا ولدوا يولدون على فطرة الإسلام وهي فطرة بلى فههنا أربعة مقامات * الأول علم اللّه وهو البطن المعنوي ويقال له في اصطلاح الصوفية بطن الام وأم الكتاب * والثاني مقام بلى ويقال له مولود